عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
53
معارج التفكر ودقائق التدبر
وقد يحدث من جراء اعتراضات أئمة الكافرين على تنزيل القرآن منجما واتخاذ ذلك ذريعة لاتهامه بالافتراء على اللّه . فاقتضى الأمر إعلامه بأنه ليس مسؤولا عن إلزامهم بالاتباع ، ولا عن اتخاذ الوسائل الإكراهيّة الّتي تجعلهم يتبعونه ، وهي غير متاحة له بمقتضى نظام الأسباب والمسبّبات ، وأنّ اعتراضاتهم على تنزيل القرآن منجما ينبغي له أن لا يهتم لها ، لأنها اعتراضات على الاختيار الحكيم لرب العالمين . والتعبير التلقائي القريب لإعلامه بهذه الحقيقة ، يكون ببيان أنّه ليس مسؤولا عن جعلهم يتّبعون الكتاب ، فإذا لم يتّبعوه فلا يجد في صدره حرجا من ذلك ، لأنّ اللّه قد منح الناس إرادات حرّة ليبلوهم من خلالها فيما آتاهم ، فلا سلطان للرسول ولا لغيره من خلق اللّه على إكراه الناس على الإيمان والإسلام والطاعة . لكنّ مثل هذا التعبير يتناول الموضوع بطريقة مباشرة ليس فيها إبداع فكريّ ، فعدل عنه الأداء القرآني ، ووجّه النهي للأمر النفسيّ الذي يحدثه تصوّره أنّه مسؤول عن جعلهم يتّبعون ما جاء في القرآن ، وهو الحرج في صدره . أي : لا تتصوّر تصوّرات تفضي بك إلى أن تشعر بالحرج في صدرك ، لأنّ التكليف الموجّه لك ليس فيه ما يجعل في صدرك حرجا . هذا الأسلوب غير المباشر هو من رفيع الأدب في جانب المضمون الفكريّ للنصّ . * وأمّا الحكمة التربويّة الرّبّانيّة ، فنلاحظها في تقديم البيان الدالّ على نفي ما يسبّب الحرج في صدر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، إذ الحرج هو المشكلة الّتي كان يعاني منها إبان نزول هذه الآية . وقد جاء قول اللّه عزّ وجل : فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ بمثابة